الآلوسي
60
تفسير الآلوسي
ما أحسنه موسى عليه السلام أي أجاده من العلم والشرائع أي زيادة على عمله على وجه التتميم ، وعن ابن زيد أن المراد تماماً على إحسان الله تعالى على أنبيائه عليهم السلام ، وظاهره أن * ( الذي ) * موصول حرفي ، وقد قيل به في قوله تعالى : * ( وخضتم كالذي خاضوا ) * ( التوبة : 69 ) وضمير * ( أحسن ) * حينئذٍ لله تعالى ، ومثله في ذلك ما نقل عن الجبائي من أن المراد على الذي أحسن الله تعالى به على موسى عليه السلام من النبوة وغيرها ، وكلاهما خلاف الظاهر . وعن أبي مسلم أن المراد بالموصول إبراهيم عليه السلام ، وهو مبني على ما زعمه من اتصال الآية بقصة إبراهيم عليه السلام . وقرأ يحيى بن يعمر * ( أحسن ) * بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف و * ( الذي ) * وصف للدين أو للوجه يكون عليه الكتب أي تماماً على الدين الذي هو أحسن دين وأرضاه أو آتينا موسى الكتاب تاماً كاملاً على الوجه الذي هو أحسن ما يكون عليه الكتب ، والأحسنية بالنسبة إلى غير دين الإسلام وغير ما عليه القرآن . * ( وَتَفْصيلاً لكُلِّ شَيْء ) * أي بياناً مفصلاً لكل ما يحتاج إليه في الدين ، ولا دلالة فيه على أنه لا اجتهاد في شريعة موسى عليه السلام خلافاً لمن زعم ذلك ، فقد ورد مثله في صفة القرآن كقوله تعالى في سورة يوسف ( 111 ) عليه السلام : * ( وتفصيل كل شيء ) * ولو صح ما ذكر لم يكن في شريعتنا اجتهاد أيضاً * ( وَهُدًى ) * أي دلالة إلى الحق * ( وَرَحْمَةً ) * بالمكلفين . والكلام في هذه المعطوفات كالكلام في المعطوف عليه من احتمال العلية والمصدرية والحالية ، والظاهر اشتمال الكتاب على التفصيل حسبما أخبر الله تعالى إلى أن حرفه أهله . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : لما ألقى موسى عليه السلام الألواح بقي الهدى والرحمة وذهب التفصيل . * ( لَّعَلَّهُمْ ) * أي بني إسرائيل المدلول عليهم بذكر موسى عليه السلام وإيتاء الكتاب ، ولا يجوز عود الضمير على * ( الذي ) * بناء على الجنسية أو على ما قال الفراء لأنه لا يناسب قوله سبحانه : * ( بلقَاء رَبَّهمْ يُؤْمنُونَ ) * بل كان المناسب حينئذٍ أن يقال : لعلهم يرحمون مثلاً ، والجار والمجرور متعلق بما بعده قدم لرعاية الفواصل ، والمراد من اللقاء قيل الجزاء ، وقيل : الرجوع إلى ملك الرب سبحانه وسلطانه يوم لا يملك أحد سواه شيئاً . وعن ابن عباس المعنى كي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب . * ( وَهَاذَا كِتَابأَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) * . * ( وَهَاذَا ) * الذي تليت عليكم أوامره ونواهيه أي القرآن * ( كتَابٌ ) * عظيم الشأن لا يقادر قدره * ( أَنْزَلْنَاهُ ) * بواسطة الروح الأمين مشتملاً على فوائد الفنون الدينية والدنيوية التي فصلت عليكم طائفة منها ، والجملة صفة * ( كتاب ) * وقوله سبحانه : * ( مُبَارَكٌ ) * أي كثير الخير ديناً ودنيا صفة أخرى ، وإنما قدمت الأولى عليها مع أنها غير صريحة لأن الكلام مع منكري الإنزال ، وجوز أن يكون هذا وما قبله خبرين عن اسم الإشارة أيضاً ؛ والفاء في قوله تعالى : * ( فاتَّبعُوهُ ) * لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن عظم شأن الكتاب في نفسه وصفته موجب لاتباعه أي فاعملوا بما فيه أو امتثلوا أوامره * ( واتَّقُوا ) * مخالفته أو نواهيه * ( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) * أي لترحموا جزاء ذلك ، وقيل : المراد اتقوا على رجاء الرحمة أو اتقوا ليكون الغرض بالتقوى رحمة الله تعالى . * ( أَن تَقُولُواْ إِنَّمَآ أُنزِلَ الْكِتَابعَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ) * . * ( أَنْ تَقُولُوا ) * علة لمقدر دل عليه * ( أنزلناه ) * ( الأنعام : 551 ) المذكور وهو العامل فيه لا المذكور خلافاً للكسائي لئلا يلزم